السيد كمال الحيدري
8
يوسف الصديق (رؤية قرآنية)
القصّة هي أقدم ما عرف من تصوّرات عقله وما تختلج به خواطره وأحلامه ، فآنس وحشته ووصل ما بين هذا العالم وما وراء الطبيعة وهو السابح دائماً في لججها . فمنذ أن التقى الإنسان بالحياة وهو في صراع عنيف ، مرير ، متّصل ، مع كلّ شئ فيها ، ما يقع منها تحت حواسه وما يتولّد من صورها في خيالاته ورؤاه . لهذا فإنّ الخطوات الإنسانية الأُولى في الحياة كانت تتحرّك على قصص مثيرة مذهلة يقصر عن تصويرها أبرع خيال لإنسان في يومنا هذا « 1 » . فمن خلال القصّة صوّر الإنسان شكل العالم الذي ينتمى إليه ويعيش في أعماقه ، ويملأ مسارب تفكيره ، بمجموعة من الحكايات التي تولّد منها فيما بعد اسم « القصّة » والتي احتفظ منها التأريخ ببعض هذه الأساطير التي نراها في مخلّفات اليونان ، والفراعنة ، والهند والصين ، وبابل وآشور ، وغيرها من الأمم التي صحبت الحياة منذ فجرها الأوّل . لذلك « لا يمكن أن نتصوّر أن تخلو حياة إنسان من قصّة ، أو عدّة قصص ، ذلك أنّ الأحداث المثيرة والمواقف الحرجة المتأزّمة هي البذور التي تبزغ منها القصص بعد أن تستجنّ في كيان الإنسان وتستجيش في مشاعره وتسكن إلى وجدانه » « 2 » .
--> ( 1 ) ينظر : عبد الكريم الخطيب ، القصص القرآني في منطوقه ومفهومه ، ط 2 ، بيروت ، دار المعرفة ، 1975 ، المقدّمة . ( 2 ) المصدر نفسه .